اسماعيل بن محمد القونوي
507
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
لأن التقسيم ليس للمستعاذ منه ولا معنى للاستعاذة من شر لا يتعدى إلى المستعيذ إلى آخر ما قال إذ وقوع التقسيم في محل الاستعاذة قرينة واضحة على التقسيم للمستعاذ منه إذ بحث الشر في نفسه ليس بمطلوب هنا ولعل لهذا قال ولو سلم فليكن المراد مما سيأتي أن الاستعاذة فيها لا تختص بالمضار العارضة للنفوس البشرية بل تعم المضار البدنية . قوله تعالى : [ سورة الفلق ( 113 ) : آية 3 ] وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ( 3 ) قوله : ( وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ [ الفلق : 3 ] ) أعيد من شر تنبيها على أنه مراد بحياله ويؤيده أنه من عطف الخاص على العام فلا جرم أنه مغاير لما قبله ادعاء بأنه لما كان الشر في غايته كأنه غير الشر ونوع آخر أقوى من سائر الشرور في الضرر والإضرار وكذا الكلام في قوله : وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ [ الفلق : 4 ] وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ [ الفلق : 5 ] . قوله : ( ليل عظيم ظلامه ) صفة جرت على غير ما هي له فأشار إلى أن إسناد الشر إليه مجاز بملابسة الظرفية كقوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [ الفجر : 4 ] . قوله : ( من قوله : إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [ الإسراء : 87 ] وأصله الامتلاء يقال غسقت العين إذا امتلأت دمعا وقيل السيلان وغسق الليل انصباب ظلامه وغسق العين سيلان دمعها ) غسقت العين من باب ضرب وعلم فأريد به هنا عظيم الظلام لأن الظلام إذا عظم كأنه امتلاء العالم ظلمة فالمناسبة بينهما ظاهرة وأما السيلان فلا مناسبة بينهما ولذا مرضه وقال وقيل السيلان وقيل لأنه لا يناسب ما مر في سورة ص وعم في تفسير قوله تعالى : حَمِيماً وَغَسَّاقاً [ النبأ : 25 ] بما يسيل من صديدهم إذ لا شك أنه مناسب ثمة لمقارنته الحميم بخلافه هنا فإن معنى أصل المادة معتبر هنا ولا يعدل عنه بخلاف ما ذكر ثمة فإن العدول عن معنى أصل هذه المادة إلى غيره بالقرينة على أن بين الامتلاء والسيلان مناسبة حيث إن الامتلاء سبب للسيلان فيكون مجاز أو غسق الليل انصباب ظلامه أشار به إلى أنه استعارة شبه الانصباب المعنوي بالانصباب الحسي فذكر اسم المشبه به وأريد المشبه فاعتبر معنى أصل هذه المادة هنا بهذا الوجه وغسق العين سيلان دمعه الناشئ من امتلائه فالسيلان هنا حسي مسبب عن الامتلاء فيكون مجازا مرسلا ويجوز معنى غسق العين امتلائها دمعا كما نبه عليه بقوله يقال غسقت العين إذا امتلأت دمعا وما ذكر هنا لمناسبة غسق الليل . قوله : ( دخل ظلامه في كل شيء ) يمكن دخول ظلامه العظيم فيه والوقوب الدخول في شيء آخر بحيث يغيب عن العين وقيل أصل معنى الوقب النقرة والحفرة ولذا استعمل في المغيب ودخول الظلام لمناسبته لمعنى النقرة أي معنى دخول الظلام للوقوب معنى كنوى أو مجازي إذ الدخول يلزم النقرة والحفرة . قوله : ( وتخصيصه لأن المضار فيه تكثر ويعسر الدفع ) وتخصيصه أي الليل الموصوف بالذكر مع اندراجه في عموم ما خلق والظلام وإن كان عبارة عن عدم النور لكنه عدم الملكات فيتعلق به الخلق لأنه عدم صرف حتى لا يتعلق به الخلق فلا حاجة إلى